الشيخ محمد هادي معرفة

546

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

بدافع إلهي . . . أوّلًا : أصالة نزعته الإلهيّة . . . وثانيا : ثقته النفسيّة اعتمادا على ما مكّنه اللّه تعالى من القوّة والسطوة وقدرته الفائقة على إخضاع كلّ الصعاب . « 1 » ويقول « ول ديورانت » : كان كورش من الحكّام الذين خلقوا ليكونوا حكّاما ، والذين يقول فيهم « إمرسن » : كان الناس يبتهجون عندما يرون هؤلاء يتوّجون . فلقد كان مَلِكا بحقٍّ في روحه وأعماله ، قديرا في الأعمال الإداريّة والفتوح الخاطفة المحيّرة ، كريما في معاملة المغلوبين ، محبوبا لدى أعدائه السابقين ، فلا عجب والحالة هذه أن يتّخذ اليونان منه موضوعا لعدّة روايات بطوليّة وأن يصفوه بأنّه أكبر أبطال العالم . « 2 » كان وسيما بهيّ الطلعة - وقد اتّخذه الفرس نموذجا للجمال البشري حتى آخر أيّام فنونهم القديمة - « 3 » وأنّه أسّس الأسرة الهخامنشيّة أسرة الملوك العظام التي حكمت بلاد الفرس في أزهى أيّامها وأعظمها شهرة ، وأنّه نظّم قوّات ميديا وفارس الحربيّة ، فجعل منها جيشا قويّا لا يُقهر ، وأنّه استولى على سرديس ( سارد ) وبابل ، وقضى على حكم الساميّين في غربيّ آسيا ، فلم تقم له بعدئذٍ قائمة مدى ألف عام كاملةً ، وضمّ إلى الدولة الفارسيّة كلّ البلاد التي كانت من قبل تحت سلطة آشور وبابل وليديا وآسيا الصغرى ، حتى أصبحت تلك الإمبراطوريّة أوسع المنظّمات السياسيّة في العالم القديم ومن أحسنها حكما في جميع عصور التاريخ . ويبدو - على ما نستطيع أن نتصوّره فيما يحيط به من سُدُم الأساطير - أنّه ( كورش ) كان أحبّ الفاتحين إلى النفوس ، وأنّه أقام دولته على قواعد من النُبل وكريم السجايا ، وأنّ أعداءه كانوا يعرفون عنه لين الجانب فلم يحاربوه بتلك القوّة المستيئسة التي يحارب بها الرجال حين لا يجدون بدّا من أن يَقْتُلوا أو يُقْتَلوا . . .

--> ( 1 ) - « أنگيزه‌هاى متعدّدى داشت ، يكى أصل وتبار إيزدى وى ، ديگر پيروزيهاى پى در پى . . . » . تاريخ هيرودت ، ص 99 . ( 2 ) - قصة الحضارة ، ج 2 ، ص 403 . ( 3 ) - يبدو من وصف « ول ديورانت » عن الشعب الفارسي أنّهم كانوا أجمل شعوب الشرق الأدنى في الزمن القديم ، فالآثار الباقية من عهدهم تُصوّرهم شعبا معتدل القامات قويّ الأجسام ، قد وهبتهم طبيعة البلاد شدّة وصلابة ، ولكن ثروتهم الطائلة رقّقت طباعهم ، وهم ذوو ملامح متناسبة متناسقة ، شمّ الأنوف ، تبدو على وجناتهم سمات النبل والروعة - ثمّ يأتي في وصف ملابسهم الجميلة ذوات وقار وإكبار . . . قصّة الحضارة - تاريخ الشرق القديم ، ج 2 ، ص 410 .